إرتريا وإثيوبيا دولتان جارتان تربطهما وشائج ومصالح متشابكة ، بيد أن حدود إرتريا مع إثيوبيا خلافا لحدودها مع الدول الأخرى كانت دوما مصدر خوف وقلاقل في التاريخ القريب ، قد عاشت المنطقة الحدودية حالة لا حرب ولا سلم ، بالرغم من توقيع البلدين بعد حرب بادمي على اتفاقية الجزائر عام 2000م والتي تم بموجبها اللجوء الى التحكيم الدولي ،

ومن جانبها أصدرت اللجنة الدولية لترسيم الحدود قرارها في 13 إبريل 2002م وقبله الطرفان مبدئيا ، ولم يكن أحد من المراقبين يتوقع ان تستمر الحالة 17 عاما بعد هذا القرار ، كما لم يكن أحد في السابق يتوقع أن تندلع الحرب بين البلدين اساسا لاعتبارات شتى ، ليس أقلها حالة الانهاك التي عاشها الشعبين من جراء حروب ومآسي لسنين عددا ، مما كان يستوجب تجنب كل ما يعكر صفو استراحة هذا المحارب ، ولكنها بالرغم من ذلك اندلعت الحرب ، وراح ضحيتها الآلاف من البشر والكثير من الممتلكات ، فما هي إذن العوامل التي جعلت السلام يتعثر كل هذه السنين؟

إذا تجاوزنا أسباب اندلاع الحرب الى موضوع تعثر خيار السلام ، نجد كلا الطرفين ينحي باللائمة على الآخر ، فإرتريا كانت تصر على مطالبة إثيوبيا بتنفيذ قرار اللجنة المختصة بترسيم الحدود فورا ، مادامت اعترفت بأصل القرار ، ثم لتكن المعالجات لحل الإشكاليات التي تنشأ جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا من جراء هذا القرار بعد ذلك ، في الوقت الذي تتحجج فيه إثيوبيا بأهمية الجلوس المباشر لوضع المعالجات مسبقا لأنها حقائق على الأرض قائمة وليست هي مظنة النشوء ، لأن هناك مناطق يقطنها إرتريون ستصبح إثيوبية بموجب قرار الترسيم والعكس صحيح ، ومع أن رأيي كان ينبغي على إثيوبيا تنفيذ القرار وحتى اللحظة نرى ذلك ، وبخاصة بعد أن وضعت اللجنة المختصة العلامات على مجسمات دقيقة ، لأن حل الإشكاليات التي تنجم من جراء القرار على طرفي الحدود بعد ذلك تعتبر من اختصاص وواجبات كل بلد تجاه مواطنيه ،ومن ثم تتم المعالجات بصورة مستقلة او جماعية وفق الممكن ، وما يحتاج منها الى جلسات مشتركة مع الطرف الآخر يقدر بقدره في تلك اللحظة . ومع هذا ماذا كان يضير اسياس افورقي لو جلس في مائدة الحوار بحضور الوسطاء واللجنة المختصة واستمع الى وجهة النظر الإثيوبية؟.

الكيدية المستقوية بالخارج

أصبحت قضية ترسيم الحدود المعلقة بين البلدين مطية السياسة العدائية بين النظامين ، ولم تقتصر على المواجهة الاعلامية ولا على المناوشات على طول الحدود ، ولا استضافة كل طرف معارضة الطرف الآخر ،بل تعدتها الى الاستقواء بأطراف أخرى خارجية ، فأسياس افورقي مع أن الحق القانوني كان معه إلا أنه اعتمد سياسة إرغام الحكومة الإثيوبية وإذلالها عبر الحرب بالوكالة ، وذلك بدعمه لكل مناوئي للحكومة الإثيوبية وعلى رأسها المحاكم الاسلامية ثم الشباب في الصومال وغير ذلك من الجهات ، وكانت هي المصيدة التي وقعت فيها إثيوبيا في البدء ، ولكنها سرعان ما اكتشفت حبالها ، واستطاعت أن تتغلب عليها لتجعل منها فرصة بدل التهديد ، وتحاصر بها إرتريا دوليا كبلد راعي للإرهاب ، كان رئيسه يفتخر يوما ما بأنه أول من حارب الإرهاب ، بل إن إثيوبيا استثمرت العقوبات الدولية لتعمق عزلة ارتريا مقابل حظوة اثيوبيا ، مستفيدة من عجرفة اسياس افورقي وتعاليه على المجتمع الدولي ، الذي فرض على إرتريا العقوبات المتوالية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بالقرار 1907(2009م) والقرار 2023(2011م) وحزمة العقوبات التي تلت ذلك ، ولم تستطع دبلوماسية اسياس الفردية العرجاء مجارات دبلوماسية إثيوبيا العريقة ، فغرق اسياس في شبر سياسته ، ووجدت إثيوبيا أن الوضع الدولي والإقليمي يصب في مصلحتها فقررت الضغط على النظام الإرتري أكثر فأكثر ، لعلها تستطيع إركاعه وقبوله بشروطها ومطالبها التي لم تعلن عنها لأحد ، ولا ندري أهي مطالب مادية على الأرض ؟ أم هي مطالب معنوية تتمثل في القهر والاذلال كرد على تطاوله وانتقاصه منها وبخاصة التقراي ؟ ، وعلى كل سواء كان هذا أو ذاك أو غيره فإن أفق السلام كان مغلقا ، وتجمد سياسيا عند عام 2002م ولم يتجاوزه .

الانعكاسات السالبة لجمود عملية الترسيم

لا أحد ينكر الأضرار التي لحقت بالشعبين من الناحية الأمنية على ضفتي الحدود من جراء هذا الوضع ، وإن كان ذلك بصورة متفاوتة ، وبالتأكيد فإن الأضرار التي لحقت بإرتريا لا تقارن بما أصاب إثيوبيا ، بل بالعكس استفادت إثيوبيا من المنح والقروض والهبات من الصناديق والمنظمات الدولية، ومن فرص الاستثمار كأفضل وأكبر شريك لأمريكا والغرب عامة في منطقة القرن الإفريقي ، في الوقت الذي تعاني فيه إرتريا من وضع اقتصادي مزري ، وبمقارنة بسيطة يتبين لنا حجم الفجوة بين حالتي البلدين ، فالناتج الاجمالي المحلي لإرتريا في 2016 كان6.1 مليار دولار امريكي وفي نفس العام للصومال 6.22$ وإثيوبيا 72.37$ والسودان 95.58$ ، وبالنسبة للاستثمارات الاجنبية ففي إرتريا أقل من مليار دولار امريكي ، أما في إثيوبيا فإن استثمارات الصين وحدها وصلت الى 12 مليار دولار، زد على ذلك تركيا 3 مليارات دولار ، والسعودية حوالي 3 مليارات دولار والامارات ايضا حوالي 3 مليار هذا غير الاستثمارات الاوروبية والامريكية ، أما الاستثمارات المباشرة وفقاً ل (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) في عام 2016م في ارتريا بلغت 52.3 مليون دولار أمريكي ، مقابل الاستثمارات المباشرة لإثيوبيا التي لامست سقف 4 مليارات تقريبا . فضلا عن مستوى النمو المرتفع لإثيوبيا ، ومن الأضرار المترتبة على إرتريا اضطرارها شراء احتياجاتها العسكرية من السوق السوداء ، هذا فوق محاصرتها دوليا بملفات حقوق الانسان الى غير ذلك من المنغصات، التي تقلق مضاجع حكومة اسياس افورقي .

السلام بين الحاجة الداخلية وضغوطات المجتمع الدولي

تسارعت وتيرة حركة السلام بين البلدين في الآونة الأخيرة فالاتحاد الأوروبي كانت له لقاءات مكوكية غير معلنة بين البدين ، فقد قالت نائب رئيس المفوضية الاوربية السيدة فيديريكا موغيريني في مارس 2016م أن الاتحاد الأوربي مستعد لدعم تسوية النزاع الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا ، وفي 13 أبريل 2017م أصدر الاتحاد الاوروبي بيانا صحفيا قال فيه "إنه يشجع جميع الخطوات الملموسة التي يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى ترسيم الحدود بين إثيوبيا وإرتريا ، وفقا للقرارات الدولية ، والانتقال إلى مرحلة بناء علاقات بناءة وسلمية ... والاتحاد الأوروبي على استعداد تام لدعم العملية السلمية وأي تدابير من شأنها أن تهيئ الظروف لإقامة علاقات مصالح متبادلة بين إريتريا وإثيوبيا في المستقبل ". ويأتي تحرك السفير دونالد ياماموتو مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية في الأيام السابق في نفس السياق ، فقد ذكر بأن الولايات المتحدة ستعمل على حل النزاع الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا ومحاولة إنهاء الأزمة التي قارب عمرها 18 سنة بين البلدين وهو ما أكدته أيضا المتحدثة باسم مكتب الشؤون الإفريقية في وزارة الخارجية الامريكية أماندا جاكوبسن، وكذلك كانت هناك تحركات مشابهة للاتحاد الإفريقي وعدد من الدول منها الصين والإمارات ومجلس الكنائس العالمي، كل هذه الجهات تطرح الوساطة بشكل وآخر ولكل منها منطلقاتها .

أما على المستوى الإثيوبي فإن ملس زيناوي ظل يدعو للسلام ، ثم جاء هيلي ماريام ديسالين وأبدى استعداده بل صرح بأنه على استعداد للذهاب الى أسمرا ، ولكن دعوات المسؤولين الإثيوبيين لم تكن تصمد كثيرا ، فسرعان ما كانت تحدث انتكاسة يتبعها تصعيد إعلامي ، وتهديد برد مزلزل ،أخيرا جاء ابيي احمد رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد ليعلن رغبته واستعداده للسلام ، الجديد في الأمر أن إرتريا تجاوبت ايجابا مع ما طرحه ابيي احمد ، على لسان وزير الاعلام الارتري يماني قبر مسقل الذي قال " إن السلام سيكون مفيدًا للشعبين ، لكن من الواضح أنه يجب أن يستند إلى احترام القانون الدولي الذي تواصل إثيوبيا انتهاكه حتى الآن" هذا الرد الايجابي يعزز مساعي السلام الأخرى مثل برنامج السلام الشعبي باسم "انشودة السلام " وهو برنامج تشارك فيه قطاعات شعبية من الإثيوبيين والإرتريين من المثقفين ورجال دين وشخصيات اعتبارية ، كانت لهذه اللجنة لقاءات مستمرة ختمتها بندوة سياسية عقدت في أديس ابابا يوم 28 ابريل 2018م حضرها (100 شخص) فيهم (30) فقط من الإرتريين ، وغابت عنها القوى السياسية الإرترية ، وتناغما مع هذا المسار عُقدت ندوة اشترك فيها الدكتور تسفاظين مدهاني والدكتور برخت هبتي سلاسي تحدثا فيها باللغة الأمهرية ، كان خلاصتها الدعوة الى الكنفدرالية والفدرالية على التوالي مع إثيوبيا. ويتساءل المرء ما هذا الزخم المكثف فجأة حول السلام ؟ ماهي دوافع اثيوبيا لتقبل على السلام بانشراح أكثر؟ هل ذلك بسبب تفاقم الوضع الداخلي وبالتالي تريد ان تتفرغ للحلول العملية لمشكلاتها؟ وهذا يتطلب بالضرورة تصفير المشكلات مع دول الجوار ، أو لأن المشكلات الداخلية في إثيوبيا أوجدت معادلات جديدة جعلت التقراي يلتفتون شمالا تحسبا للقادم؟ أم أن ما حرك ملف السلام هي الضغوطات الدولية التي أرغمت إثيوبيا لتتقبل خيار السلام؟ وبخاصة بعد نداءات هورمن كوهين المنحازة كلية الى إرتريا بداية من دعوته الى جلب إرتريا الى المنطقة الدافئة ، إلى تبرئتها من تهمة إثارة القلاقل في إثيوبيا وعدم جعلها كبش الفداء ، هذا فضلا عن تهديد الاتحاد الاوروبي وامريكا لإثيوبيا بحجب المساعدات عنها في حال تصعيدها مع إرتريا، كما جاء في رسائل السفير الأمريكي في إثيوبيا الذي نشر عبر ـ ويكيليكس ـ.

ومن الجانب الآخر ما الذي جعل إرتريا تقبل تلك الدعوات أخيرا ؟ هل آب اسياس افورقي الى رشده وأدرك أن جل شعبه سحق تحت خط الفقر والهجرة فيريد تدارك ذلك؟ ـ والقلوب بين اصبعي من أصابع الرحمن ـ أم أن النظام أدرك أنه لا يمكنه ان يعيش تحت الحصار الدائم وعليه الخروج من هذه الشرنقة؟ أم أن هناك تهديدا جديا من جهات ما بإمكانية دعم المعارضة الارترية دعما حقيقيا يمكنها من التغلب على مشكلاتها الحقيقية المالية ، والمعنوية المتمثلة في السند الدولي والإقليمي؟ أو أن هناك ثمن يتمثل في إنهاء أية معارضة للنظام أيا كان مستواها مقابل توقيع السلام؟ أم أن مشكلة النظام في إرتريا كانت أصلا مع التقراي ورأى في رئيس الوزراء الجديد فرصة لتجاوز عقدة المنشار؟ وهل نستبعد وجود تهديد مباشر للرئيس اسياس افورقي شخصيا من الدول الاوروبية وأمريكا وبخاصة بعد أن تفاقمت مشكلات اللاجئين الشباب، ولماذا لا تكون الجزرة والإغراءات المادية من الدول النافذة والمتمثلة في المنح والهبات التي ستتدفق على إرتريا هي ما أسال لعابه ، وحتى تلحق بقطار التنمية الذى قطعت فيه عدوها اللدود إثيوبيا شأوا بعيدا مقارنة بمثيلاتها في المنطقة ؟

وعلى نفس الحيثيات يمكننا أن نتساءل أيضا ما الذي جعل الأمريكان يتحركون لإحلال السلام في المنطقة بعد كل هذا التجاهل، مع أنه لا يوجد في المعلن من سياسة النظام ما يستوجب هذه المراجعة ؟ ربما نجد الإجابة في المقابلة التي أجراها الصحفيين جاستن ويلسون و أندريا موروني يونيو 2016 مع "هرمن كوهن" حيث قال في معرض إجابته عن الموقف الأمريكي من إرتريا "إن موقع إرتريا الجغرافي يشكل لنا أهمية كبيرة للغاية ، وإن عدم استقرار دول البحر الأحمر وتواجد عدة دول مثل الامارات وغيرها ، يفرض على الولايات المتحدة التواجد في المكانً لمراقبة تلك الأنشطة، ولكن سوء العلاقة مع إريتريا جعلنا غير قادرين على الاستفادة من هذه الجغرافيا . ويؤكد ذلك ما ذكرته الجزيرة الانجليزية في تعليقها على المسعى الأمريكي مؤخرا لإحلال السلام بين إرتريا وإثيوبيا إن أحد دافعه منافسة الصين التي تتغلغل في المنطقة اقتصاديا وعسكريا ، بل وتحاول أن تلعب دورا سياسيا بتبنيها الوساطة بين إرتريا وجيبوتي ، كما صرح بذلك سفير الصين في الاتحاد الإفريقي في 22 يوليو 2017م. وكذلك الوجود التركي المتعاظم اقتصاديا وعسكريا وثقافيا في المنطقة.

أما أوروبا إضافة الى أهمية الموقع في ظل مستقبل الصراع الدولي ، فإن قضية اللاجئين الإرتريين تشكل لها عبئا أخلاقيا وبشريا، ويجب أن تسهم في حلها عبر إنهاء أسبابها وهي قضية التجنيد الإلزامي دون سقف ، وهو ما أكدته الاتفاقية الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وحكومة إريتريا في 28 يناير 2016 ومن خلال التفاوض مع النظام استطاع الوفد انتزاع قرار بمراجعة مدة الخدمة الالزامية ، ورفع مرتبات المجندين.

أما الوساطة الإماراتية جاءت على خلفية الخلاف مع قطر أولا بإيجاد دور لها في المنطقة وثانيا يهمها جدا بقاء اسياس على السلطة لحين تثبيت أقدامها في ميناء عصب، فإن ذهاب اسياس افورقي يجعل الاتفاقية في مهب الريح ، لأنها تمت بطريقة غير قانونية لا تعترف بها المحاكم التجارية العالمية ، ولأن الامتيازات التي منحتها حكومة اسياس افورقي للأمارات ليست لها الشرعية اللازمة لغياب الدستور والبرلمان الارتري ، ولعدم الافصاح عن عائدات الموانئ وطرق صرف الأموال ،وبالتالي يمكن نقضها بسهولة قبل أن تتجذر بمصالح متشابكة.

وعلى كل وبغض النظر عن الرغبة الداخلية أو الضغوطات الدولية والاقليمية نلاحظ أن السلام أصبح قاب قوسين من التنفيذ ، فالدول النافذة عندما تريد أن تفرض أمرا ما مثل السلام لها القدرة على تهيئة أسبابه ، فأنظر مثلا الى قضية اليمن فبمجرد اختيار البريطاني مارتن غريفيث مبعوثا أمميا جديدا لليمن ، خلفا للموريتاني إسماعيل ولد الشيخ تحرك الملف سريعا ، وتمت لقاءات هامة ومتواصلة بين أطراف الصراع.

فالسلام بين إرتريا وإثيوبيا لا يساورنا الشك أن بنوده أصلا قد كتبت في دهاليز القوى النافذة ، أما نراه فما هو الا تمظهراته ليبدوا لأمثالنا بأن هذه بدايته ، وأنه فعلا يطرح بصورة شفافة دون أجندة خفية ، وعلينا تقبله كخيار شعبي ودولي ، وعندما نقول هذا فعند البعض يعتبر استدعاء لنظرية المؤامرة ، ولكن المتابعين والمتمعنين في الشأن السياسي للحالة الإرترية الإثيوبية يدرك ما نرمي اليه ، لأن هناك الكثير من المعلومات والتحليلات المتدفقة حول هذا الوضع ما يصدق منها وما لم يصدق.

السلام مصلحة شعبية ووطنية

السلام هو دين وهو من مقاصد الأديان جميعها فمن اسماء الله "السلام" ، وهو شعار الأمم المتحدة "السلام والرفاهية" ، وهو مبدأ ترفعه الدول والأحزاب ، وهو مصلحة الشعوب عبره تتحقق التنمية والتطور ، وهو حاجة كل انسان سوي ، ولهذا كان خيار ومطلب الإرتريين جميعهم لأن الحرب أهلكتهم وأخرتهم عن ركب التقدم ، إذن الشعب الإرتري كله هو صاحب المصلحة الحقيقية من إحلال السلام .

ولكن السؤال الملح الذي يطرح نفسه من خلال ما تقدم أي سلام هو المعني؟ وهل هو بأي ثمن ؟ ولكن قبل أن ندلف في الاجابة عن تلكم التساؤلات دعونا نتوقف هل اسياس افورقي معني بالسلام أصلا وهل السلام ضمن أجندته السياسية؟ ما أورده عدد من الباحثين الإثيوبيين ونقله موقع فرجت أنهم يشككون في قبول اسياس للسلام لأنهم يرون أن خيار السلام يجعله في مواجهة مباشرة مع شعبه ، وينقطع المشجب المؤخر لمطالب الاصلاحات السياسية ، ويؤكد أيضا هذا الاتجاه عدد من النشطاء الإرتريين ، معللين أنه لو أراد السلام لتحقق له ذلك ، ولكن لا يريده خوف تبعاته واستحقاقاته .

الشعب الإرتري بعد هذه التضحيات الجسام لا أتوقع منه أن يقبل السلام الذي يكون على حساب انتزاع أرضه كما تحاول بعض الجهات الأجنبية ، ولا يقبله إذا كان على حساب انتقاص سيادته ، كما تروج له بعض الأطراف الإثيوبية ، ولا يقبله على حساب وحدته كما يحاول بعض المنظرين تسويقه ، كما لا يقبله أن يكون نسخة مكررة من مشروع فاشل انتفض عليه الشعب ورفضه سابقا كما يطرحه الدكتور برخت هبتي سلاسي

كيف نستقبل السلام

مع أن الأمل ضئيل في تحقيق السلام مع بقاء نظام أسياس الذي لا يؤمن مبدءا بالديمقراطية والتعددية والتشاركية وإطلاق الحريات العامة والخاصة .وبشكل عام السلام يحتاج الى وحدة الجبهة الداخلية، وعلى المعارضة الارترية أن تتجاوز خلافاتها الثانوية حتى تستفيد منه ، والتنسيق بين كل الفاعلين من منظمات المجتمع المدني .

ولكن مما يحزن أن بعضا من المثقفين والسياسيين من التجرينية في إرتريا لايزالون يفكرون بعقلية الاربعينيات من القرن المنصرم ، ويصرون على أن يقرروا وحدهم مصير إرتريا دون استصحاب وجهة نظر شركاء الوطن ، وهي حالة تبدو من رفض الآخر بل محاربته وتهميشه ، وكأن هذا الشريك كتب عليه أبدا أن يظل مقطورا لا يملك الحق في الاختيار ، ولا الحق في إبداء الرأي ، إما لأنه قاصر ومن حقهم فرض الوصاية عليه ، أو لأنهم هم الأحق بالأمر كأصلاء مقابل الدخلاء ، وللأسف هؤلاء لم يتعظوا من التجربة السابقة ، ولا يشعرون بالحرج بأن تجربتهم سواء في مرحلة تقرير المصير ثم في مرحلة الدولة الفيدرالية الى أن وصلنا مرحلة الدولة الوطنية كانت كلها فطيرة وفاشلة في إدارة التنوع ، بل في إدارة ذاتهم وبالتبع البلد كله ، والأسف الأكبر أن هؤلاء لم يدركوا بعد أن تطورا تراكميا من الوعي السياسي والحقوقي توفر للطرف المسلم المهمش . ويحضرني هنا عندما قابل وفد من حركة الخلاص في 2007م الراحل ملس زيناوي وكان الإثيوبيون قد أخذوا على حركة الخلاص حينها بيانها المنحاز الى النظام الارتري بوضوح في حرب بادمي باعتبار النظام الارتري يدافع عن السيادة الإرترية ، ففي معرض بحث الحلول لمستقبل الخلاف بين النظامين قال الشيخ حامد تركي رحمه الله لملس زيناوى: "ما نحب أن نذكر به يا سيادة الرئيس إن هيلي سلاسي ظن أنه بمجرد أن يقنع الطرف المسيحي في إرتريا يستطيع أن يسيطر على الوضع الإرتري برمته ، ولكنه تبين له فيما بعد تهافت هذه النظرة ، وأنتم أيضا كتقراي توقعتم بمجرد التنسيق مع اسياس افورقي وضرب جبهة التحرير الارترية وإخراجها من الميدان يمكن أن يخلص لكم الوضع ، ولكن أعتقد ثبت لكم خطأ هذا التوقع ، واسياس نفسه بمجرد أن أصبح رئيس إرتريا بالشرعية الثورية توهم بأن هذا يعطيه الحق في أن يتصرف كيف يشاء دون حساب للطرف المسلم ، ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة ، ونحن نقول لكم اليوم وأنتم تفكرون في الحلول إن أية حلول للأوضاع الإرترية دون استصحاب حقوق ومشاركة الطرف المسلم ستكون لها نتائج كارثية تتجاوز ارتريا ".

نقول للأذكياء أن النظرة من ثقب الباب أو من خرم الإبرة أومن سفح الجبل لا تساعدنا على النظرة الشاملة ولذا نحتاج أن نصعد على قمة "جبل امباسويرا" ونطلق لبصرنا وبصيرتنا مجال النظر وسنرى الخريطة الجغرافية والسياسية بصورة جيدة .

كنت أعتقد أن تشارك في حكم إرتريا مع من يشاطرك حبها ، ويقاربك في العدد ، ويقر لك بحقك فيها ، يحقق لك المكانة والعزة ، وهو أفضل لك مرات من لو أنك أخترت الالتحاق بدولة ومجتمع آخر ـ ليس هو بالتأكيد أمريكا ـ وبخاصة بعد ان أصبحت إرتريا دولة مستقلة ، لأنك ستشعر دوما أنك إبنا بالتبني والالحاق ، وإذا كان الدافع لهذا الالتحاق هو العامل الديني فقط ، فإن نظرة فاحصة لإثيوبيا ستعطيك المؤشر بأن حساباتك فيها خطأ ، والجغرافيا من حولك ستصدمك ، وبخاصة أن المعطيات السياسية تتحرك باستمرار ، وإذا كان الدافع هي القيم الثقافية واللغوية فقط فالأمر أكثر ضيقا .

هؤلاء البعض لا يتحسبون بأن هذه الاستفزازات ربما تدفع الطرف المسلم الى تطوير خياراته ، وهي لا شك كثيرة ويملك مقوماتها ، ولا يخفى على الجميع أن المجتمع الدولي يتعامل مع المصالح أكثر من المبادئ ، وهو أمر متحقق عند الطرف المسلم في المنطقة أكثر من الطرف المسيحي إذا أراد ذلك.

(ونؤكد أنه لن يتحقق سلام دائم ولا استقرار في المنطقة ما لم يؤخذ في الحسبان مصالح الشعب الارترى بكل مكوناته.

اللهم أجمع شمل الارتريين وحقق لهم السلام والاستقرار والقيادة الرشيدة.