بسم الله الرحمن الرحيم

آصرة الأخوة الإسلامية ومعاني الحب في الله (2)

شرائط الأخوة:

1.     أن تكون خالصة لله بحيث يتنزه المتآخون من كل مصلحه ذاتيه ومنفعة شخصيه  الحديث: (إن رجلا زار أخا له في الله فأرصد الله له ملكا ...... ) .

2.      أن تكون الأخوة مقرونة بالأيمان والتقوى : بأن ينتقى المسلم من الأصحاب أتقاهم وأحسنهم أخلاقا ). (الأخلاء يومئذ.......)

3. أن تكون الأخوة ملتزمة بمنهج الإسلام بإتباع الكتاب والسنة والبعد عن الخرافة و الأفكار الهدامة : (رجلان تحابا في الله تجمعا عليه وتفرقا عليه..) .. كان الرجلان من الصحابة إذا تفرقا قرأ أحدهما على صاحبه سورة العصر حيث التعاهد والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر .

4.  أن تكون الأخوة قائمه على التناصح فى الله: ( فالأخ مرآه أخيه ) ، و(الدين النصيحة ) ، وروى الشيخان عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه بايع رسول الله r على ( النصح لكل مسلم ) .

5. أن تكون الأخوة قائمه على التعاون و التكافل فى السراء و الضراء: (مثل المؤمنين فى توادهم......)

6. أن يطوي معه بساط التزمت والتكلف والتحفظ ، إذ بهذه تحصل الوحشة المنافية للألفة.

وقد أوجز هذه الشروط والآداب في اختيار الأصحاب أحد الصالحين فقال يوصي ابنه: يا بني إذا عرضت لك على صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعد بك مئونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها: اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وأن حاولتما أمرًا أمرك، وإن تنازعتما شيئا آثرك ».

واجبات الأخوة وحقوقها :

* إن الأخوة الإسلامية تفرض واجبات على كل طرف هي حقوق له في نفس الوقت كعيادة المريض وتشميت العاطس والنصر في كل حال ، وإجابة الدعوة والتسلية عنه عند الإصابة ، وإتباع جنازته ..

*التبسم في وجه أخيه ، والمصافحة كلما لاقيته ، فان لم يكن مبتسما فليكن طلقا متلطفا .

*الدعاء لإخوانه بظهر الغيب ، وطلب الدعاء كلما افترقوا ،

* تبادل الهدايا : ( التهادي) فانه يورث المحبة كما أخبر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

*بذل النفس في قضاء حوائج إخوانه ( و الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ) .

*التزاور الدوري المستمر ، والعمل على إدخال السرور على إخوانه ، كلما أمكنه ذلك .

*وغيرها من واجبات وحقوق مذكورة في كتب السنة المطهرة..

ومع تسارع وتيرة الحياة المعاصرة أصبحت الواجبات أكثر من الأوقات ، مما يستدعي أيضا الاستفادة من الوسائل الحديثة للتواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والبريد الالكتروني والهاتف الجوال ، للسؤال عن الإخوان ، وحسن إدارة الوقت ، لإدامة التواصل معهم ..

إن المسلم لا يلام على تبادل المنافع والمصالح المباحة واتصاله بمن يحقق له تلك المصالح ويقدم له الخدمة في بعض الأحيان لأن الشريعة أباحت ذلك وأذنت فيه. وإنما يلام أن تكون جميع علاقاته مبنية على الدنيا وجميع حياته خالية من مشاعر المحبة الإيمانية والأخوة في الله ولا يوجد في معاملاته نوع من الإحسان وتغيب عنه نية الاحتساب. إنما يكون عمله مذموما إذا كانت نظرته للآخرين مرتبطة ومبنية على توفر المال والمنصب والرئاسة دون مراعاة اتصافهم بالإيمان والعمل الصالح والخلق الحسن والولاية الشرعية.

ما يترتب على فقدان الأخوة والمحبة في الله :
إن العلاقة بين المسلمين إذا خلت من شعيرة المحبة في الله والأخوة الإيمانية أو ضعفت يترتب على ذلك انعدام النصح والإنصاف والتقصير في إيفاء الحق وغلبة الشح والهوى وربما عامل الأخ أخاه المسلم بالغش والخداع والمراوغة.
إن انعدام هذه الشعيرة تجعل الإنسان في جميع تصرفاته لا يرى إلا نفسه وهواه بطمع وحرص شديدين ولو أدى ذلك إلى أكل أموال الناس وإضاعة حقوقهم.
إن انعدام هذه الشعيرة يفوت على المسلم أجرا عظيما وفضلا كبيرا لفقده هذه العبادة الجليلة وتصبح تصرفاته دائرة بين الإباحة والمحظور.
إن أعظم ما يعوق المسلم عن القيام بهذه الشعيرة ويمنعه منها سوء ظنه بالمجتمع ونظرته السوداء لهم واعتقاد أنهم ليسوا أكفاء للإحسان والمحبة فهو يحتج ويتعذر بأن الناس اليوم غلب عليهم الطمع والسوء والظلم فلا يليق بذل المعروف لهم. وهذه شبهة شيطانية لأن الشارع أمر بالإحسان لكل أحد ولأن الناس فيهم خير فلا يخلو المجتمع من الخير ولأن المسلم مهما أساء تبقى له حرمته وكرامته ويشرع فيه الإحسان والخير وربما كان ذلك سببا لإصلاحه.
ومما يقطع المسلم عن المعروف والمحبة نظره إلى مبدأ المكافأة والحوافز مقابل عطائه وبذله فهو يتعذر بأنه فعل وفعل وعامل الناس بالحسنى والأخوة ولكنه طيلة المشوار لم يجد من يكافئه ويحسن إليه بل بالعكس وجد الإساءة منهم. وهذه شبهة باطلة مخالفة للشرع.

صفات المتآخين في الله :

* قال صلى الله عليه وسلم (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) .

* وقال أيضا صلى الله عليه وسلم (من أحب قوما حشر معهم) .

* وقال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام (وأجعل لي وزيرا من أهلي .هارون أخي.أشدد به أزرى.وأشركه فى أمري كي نسبحك كثيرا. ونذكرك كثيرا انك كنت بنا بصيرا) سوره طه

* طيب القول .       .      *مذاكرة الآخرة .            *الإيثار .             *بذل النصح .              .

* ترك حضيض الدنيا والدرهم والسمو الى العلا .

* لا تكلف بينهم ولا تحفظ معهم . وقد جاء في الأثر: «أنا وأتقياء أمتي براء من التكلف»، وقال بعض الصالحين: ( من سقطت كلفته، دامت ألفته، ومن خفت مئونته دامت مودته) ، وآية سقوط الكلفة الموجبة للأنس، والمذهبة للوحشة أن يفعل الأخ في بيت أخيه أربع خصال: أن يأكل في بيته ويدخل الخلاء عنده، ويصلي وينام معه، فإذا فعل هذه فقد تم الإخاء، وارتفعت الحشمة، الموجبة للوحشة، ووجد الأنس وتأكد الانبساط.

*وهذه الصفات لا توجد فى المرء دفعه واحده وإنما تتكامل على مر الأيام فالأخ الذي تبحث ليعينك إنما يبحث عنك لتعينه فمثل الأخوين إذا التقيا كمثل اليدين يغسل أحداهما الأخرى . كذلك الإخوان فى الله فى كل منهما عيوب تزول بالتذكير والتنبيه والتناصح والتصالح والتواصي بالحق ..

آثار الأخوة في الله :

1.                        إنها سبب إلى ظل الله يوم لا ظل إلا ظل ( رجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) متفق عليه .

2.                        سبيل إلى الإيمان والدخول الى الجنة ( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) مسلم .

3.                        طريق الى علو المكانة في الآخرة ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ) الترمذي .

4.                        تذوق حلاوة الإيمان : يقول الرسول r: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ) متفق عليه .

5.                        الطريق الى محبة الله : في الحديث الذي رواه مسلم قول الملك للرجل الذي زار أخا له في قرية أخرى يحبه في الله : ( إني رسول الله إليك أخبرك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) .

فضلا عن الفوائد التي يجنيها المتحابين في الله ، في تعاملاتهم التي تخلو من العداء المغروس بين غيرهم ، بفضل الله تعالى ، الذي روض نفوسهم على التعاون على تنفيذ أوامره والدعوة إليه ، وتقديس الحق ، وإسداء المعروف ، والتباذل في الله ، والإيثار عن سماحة وتبادل الاحترام والحب ، وتقوية جنود القلب ، واستراحة الأرواح في التوجه لغاياتها ، فضلا عن التوحد والترابط ..

الأخوة طريق عملية :

الأخوة في الله ممارسة حياتية يومية تتعلق بالمسلم وسط مجتمعه  ، ومع إخوانه المسلمين .. فالمسلم يمارس الأخوة في كل أحواله ، فيما يحدث به نفسه ، وتعبر به عينيه وما ينطق به لسانه وما يخط به قلمه ، وما يصدر عنه من معاملاته وأخلاق وسلوكه ..

فالأخوة تصبغ حياة المسلم المتشعبة وعليها أسس رسل الله الكرام مجتمعاتهم وأنظمتهم ودولهم كأساس رباني وحيد للعلاقات بين البشر ،،

ويأتي النداء الرباني ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء أن استحبوا الكفر على الإيمان ) التوبة -23 . ليقطع أواصر الدم والنسب إذا تقطعت آصرة القلب والعقيدة ، وليقيم دعائم الأخوة في الله تعالى ، إذ هي الصلة الحقيقية ، تذوب فيها كلمة (أنا) وتذوب كذلك كلمة ( القرابة) ، تندحر فكرة العصبية القائمة على الدم ، فلم تعد قرابة الدم هي التي تحكم المشاعر، أو تقود الأحاسيس ، إنما أصبحت قرابة العقيدة هي التي تقود وتحكم .. حتى (اللقطاء ) في المجتمع الإسلامي إخوان في الدين يحكمون بنفس القواعد الربانية ، وعلى نفس أسس العدل على أساس ما يسلكون من سلوك . ( فان لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) الأحزاب – 5 .

ونريد أن نتأسى برسل الله الكرام الذين جعلوا الأخوة في الله ، عقدا نافذا ، وقانونا ملزما ، لا مجرد شعارا مرفوعا ، يكذبه الواقع ، أو تسخر منه الوقائع ..

طريق الأخوة من طريق الشباب :

إن فترة الشباب في حياة الإنسان هي فترة الفتوة المدركة ، والحماسة الفطرية ، والاندفاعة في الحق وللحق ..

ولكن غالبا ما تضيع هذه الفترة سدى !. إذا قتلت تحت وطأة الإعلام الفاسق والموجهين الضالين ووسائل اللهو والإلهاء والإفساد التي تملأ مجتمعات التخلف والخزي والذل ..

ولهذا كان حتما ولزاما أن يتدرب الشباب على الأخوة مع إخوان تربطهم به هذا الرباط ، وأن يتدرب على التعاون مع مجموعة في سبيل ترقية نفسه وبيئته ومجتمعه ، وأن يتعود على أن يؤثر إخوانه على نفسه ، وهو لا يستطيع أن يفعل هذا كله وحيدا ، فالوجود في جماعة هو الذي ينمي فيه هذه المشاعر ، وهذه الألوان من السلوك ، ثم أن الوجود في جماعة هو الذي يبرز للمربي من خلال المصاحبة والملاحظة والمتابعة .. ما فيها من نقص تحتاج الى توجيه أو تقويم لعلاجه ، بحيث يتدربوا في الرحلات والمخيمات والصحبة الصالحة ووسائل التربية الأخرى على الالتزام بحقوق وواجبات الأخوة ، رافعين إياها من مستوى الكلمات والنظريات الى مستوى الأفعال والعمليات .. وحينها فقط يتحول الشباب الطامح الى أداة بناء وتغيير، من عبادة المادة والنفس إلى عبادة الله وحده ، ومقاومة القهر السياسي والظلم الاقتصادي والفساد الاجتماعي.. يقودون شعوبهم ، بهباتهم وانتفاضاتهم ، الى الحرية والمساواة والعدالة والنماء والرفاهية ..

ثمرات الأخوة في الله :

  • إن الأخوة في الله سلوك حسن وصحبة نافعة وسيرة طيبة ونية صالحة وعيشة سعيدة.
  • أن الداعي إلى المحبة والأخوة له نصيب في الخير وسهم في الأجر.
  • أن الحب في الله يدل على كمال الدين وصفاء السريرة والعمل المتقن وخوف الله ورعاية حقه واحترام كتابه وحب نبيه r.
  • الأخوة تعين على طاعة الله تعالى.
  • الأخوة تكافل اجتماعي إنساني.
  • رؤية الأخ لأخيه يؤنس طريقه وهما على الهدى ، وممارسة الأخوة في صورة صادقة واقعية ، ومشاركة وجدانية  حقة، تعمق رصيد المشاعر الإسلامية في نفسه ، ويكون التعاون على الخير هو الوضع المناسب لجو الود والصفاء الذي يجمع بين القلوب ، ويظل يتضاعف رصيد الحب والخير في النفوس ما دام الله هو غايتها .
  • تمنع تضخم الذات والأنانية المفرطة ، فلأخ المسلم يؤثر أخاه على نفسه ، فيأخذ أقل من حيزه الطبيعي الذي يحق له أن يشغله ، فتوجد دائما فسحة في المشاعر ، لا تمنع الاحتكاك فحسب ، بل تبعده كذلك عن الحدوث ..
  • تكوّن مجتمعا ربانيا متماسكا عصيا على الاختراق أو الاستلاب أو التغريب ، أفراده تدفعهم آصرة المحبة في الله الى حب الخير للناس ، وجهد أنفسهم من أجل النفع العام ، وتقدم وازدهار المجتمع ليؤسس دولة تقوم على التقوى والفضيلة وجلب النفع لكل المواطنين دون تمييز أو تهميش أو إقصاء ...

فما أحوجنا ، في هذا الظرف الحرج الذي يمر به وطننا الحبيب ، لتلاحم المشاعر والقلوب ، وتشابك الأيادي والسواعد ، واتحاد المقاصد والوجهة ، والتحلل من اسر المصالح الذاتية الضيقة الى آفاق المصالح العليا للوطن ، لنعجّل بخلاص شعبنا من الظلم والقمع والاستبداد .. ولنقيم بجهادنا ونضالنا دولة الحق  والحرية والعدل والنماء ..

 

وأخيرا ،،،

اللهم انك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك ، والتقت على طاعتك ، وتوحدت على دعوتك ، وتعاهدت على نصرة شريعتك ، فوثق اللهم رابطتها ، وأدم ودها ، واهد سبيلها ، واملأها بنورك الذي لا يخبو ، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك ، وجميل التوكل عليك ، وأحيها بمعرفتك ، وأمتها على الشهادة في سبيلك ، انك نعم المولى ونعم النصير ...  اللهم آمين .

 

والى الحلقة الثالثة ، بعون الله تعالى ،،،

 

أخوكم في الله / علي عبد العليم

31/3/2011م

 

اعلي الصفحة