ج/ الطغيان المالي :

لم يكن رجال الدين من أهل التقوي والزهد كما يتوقع من القوم الذين حولوا الدين الي روحانيات غالبة ورهبانية وأمروا الناس أن يكتفوا بعيش الكفاف لكي يدخلوا الجنة ويجلسوا علي يمين الرب في الاخرة وأبلغتهم أنه ( من أراد الملكوت فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير عليه ) وأن ( مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلي ملكوت الله) .

إنما كان الكثرة منهم ممن فتن بالدنيا ونسوا الاخرة . وقد تناول كثير من كتابهم حياة البذخ والترف والتنعم التي أباحوها لأنفسهم وحرموها علي البسطاء من الناس . يقول كرسون في كتاب ( المشكلة الاخلاقية ) .

( كانت الفضائل المسيحية كالفقر والتواضع والقناعة والصوم والورع والرحمة ، كل ذلك كان خيراً للمؤمنين وللقسيسين وللقديسين وللخطب والمواعظ . إما أساقفة البلاط والشخصيات الكهنوتية الكبيرة فقد كان لهم شئ آخر : البذخ والأحاديث المتأنقة مع النساء والشهرة في المجالس الخاصة والخدم والأرباح الجسيمة والموارد والمناصب) .

ويقول ول ديورانت :

( أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوربا . فقد كان دير فلدا مثلاً يمتلك خمسة عشر الف قصر صغير وكان دير سانت جول يملك ألفين من رقيق الأرض وكان الكوين فيتور – من رجال الدين – سيداً لعشرين الفاً من أرقاء الأرض وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من  الملاك الإقطاعيين ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الاقطاعية وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي .

وكانت أملاكها المادية وحقوقها وإلتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه وسخرية تلوكها السنة الخارجين علي الدين ومصدراً للجدل والعنف بين الأباطرة والبابوات .

وكانت مصادر تلك الأملاك متعددة فمنها الأوقاف ومنها العشور ومنها الهبات ومنها الضرائب ومنها السخرة .

فأما الأوقاف فقد كانت الكنيسة تستولي علي أراض زراعية واسعة وتوقفها علي نفسها لتنفق منها علي الأديرة والكنائس وتجهيز الجيوش للحروب الصليبية أو الحروب التأديبية التي تقوم بها ضد الملوك والأباطرة الخارجين علي سلطانها . وفي ذلك يقول( ويكلف) وهو من أوائل الذين ثاروا علي الفساد الكنسي وطالبوا بالاصلاح الشامل : ( إن الكنيسة تملك ثلث أراضي انجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي ).

كما فرضت الكنيسة علي اتباعها أن يدفعوا اليها عشر أموالهم ضريبة سنوية لا يملكون التملص منها تحت وطأة التهديد بالحرمان وغضب الرب .

يقول ويلز :

( كانت الكنيسة تجبي الضرائب ولم يكن لها ممتلكات فسيحة ولا دخل عظيم من الرسوم فحسب ، بل فرضت ضريبة العشور علي رعاياها وهي لم تدع الي هذا الامر باعتباره عملا من أعمال البر والاحسان بل طالبت به كحق) .

وفرض البابا يوحنا الثاني والعشرون بالاضافة الي ذلك ضريبة جديدة سميت ضريبة السنة الاولي وهي دخل السنة الاولي لاية وظيفة من الوظائف الدينية أو الاقطاعية يدفع الي الكنيسة بطريق الاجبار !

أما الهبات فهي هبات في ظاهر الامر ولكنها تؤخذ بالاحراج والتوريط والترغيب والترهيب وخاصة الهبات التي تمنح للكنيسة في الوصايا التي يكتبها الناس قبل موتهم . فقد فرضت الكنيسة علي الناس ألا يكتبوا وصاياهم إلا علي يد القسيس ومادام القسيس حاضراً وقت كتابة الوصية فقد أصبح الواجب من باب المجاملة علي الاقل أن يهب شيئاً من ماله للكنيسة حتي لا يكون مجافياً للذوق ! أو حتي يتفادي ما هو أخطر من ذلك : غضب الأرباب المؤدي إلي غضب رب الأرباب !!

أما السخرة فقد كانت الكنيسة تفرضها علي رعاياها بالعمل يوماً واحداً في الاسبوع بالمجان في أراض الكنيسة الواسعة فيعمل التعساء ستة أيام في الاسبوع ليجدوا خبز الكفاف لهم ولاسرهم ثم يعملون اليوم السابع يوم الراحة سخرة في اراضي الكنيسة لكي توفر الاخيرة أجور العمال التي كان المفروض أن تدفعها لقاء زراعة إقطاعياتها الواسعة وجني حاصلاتها وتزداد بذلك إكتنازاً وضراوة في طلب المزيد من المال .

لقد من السهل أن تمارس الكنيسة ذلك الطغيان المالي وهي تملك ذلك النفوذ الطاغي علي أرواح الناس وعقولهم . فما هي إلا أن تصدر الأمر فيطيع العبيد صاغرين .