مذاهب فكرية معاصرة الحلقة السابعة


د/ الطغيان السياسي     :
زعمت الكنيسة أن المسيح قد أعطي قيصر وحكمه شرعية الوجود ، حين وضعت علي لسانه هذه الكلمات ( إذن أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) وفسرتها عملياً بترك القانون الروماني يحكم العالم المسيحي بدلاً من شريعة الله .ورغم أن هذا تفسير خاطئ لدين الله المنزل علي عيسي عليه السلام فقد كان مقتضاه المنطقي أن تتفرغ الكنيسة لشؤون الاخرة وشؤون الروح وتترك قيصر يحكم عالم الأرض وعالم الأبدان .

ورغم أن هذا تفسير خاطئ لدين الله المنزل علي عيسي عليه السلام فقد كان مقتضاه المنطقي أن تتفرغ الكنيسة لشؤون الاخرة وشؤون الروح وتترك قيصر يحكم عالم الأرض وعالم الأبدان .
ولكنها لم تكن في شئ من سلوكها العملي منطقية مع الذي تقوله بأفواهها فقد أدعت لنفسها سلطة دنيوية نازعت بها الأباطرة والملوك وأخضعتهم لسلطانها .
والكنيسة لم تطالب من خلال سلطانها علي الاباطرة بالانصياع لشريعة الله إنما كانت تطلب وتمارس سلطانا شخصياً بحتاً وأرضياً بحتاً وهوأن يطأطئ الملوك والأباطرة لها الرؤوس وأن يعلنوا أنهم خاضعون لسلطانها.
وقد شب نزاع في أحايين كثيرة بين الكنيسة وبين الأباطرة والملوك ويروي التاريخ لنا الكثير منها ومن ذلك :
أصدر البابا نقولا الأول بياناً قال فيه :
( إن أبن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها وأن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل ، ولذلك فإن البابا ممثل الله علي الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم علي جميع المسيحيين حكاما ً كانوا أم محكومين )
وفي القرون الوسطي مارست الكنيسة فعلاً ذلك السلطان علي الحكام والمحكومين مع وجود فترات من الصراع المتبادل ، حيث تمرد بعض الملوك والأمراء علي سلطة البابا ويشتد آخرون في حربهم للبابوات حتي أنهم ليعزلون البابا أو ينفونه أو يسجنونه ولكن السلطة الغالبة كانت للكنيسة تستمدها من سلطانها الروحي الطاغي علي قلوب الناس ومن جيوشها الكثيفة ومن أموالها التي تضارع ما يملكه الملوك وأمراء الإقطاع .
يروي فيشر في كتابه- تاريخ اوربا – قصة الصراع بين البابا هلدبراند وهنري الرابع إمبراطور ألمانيا فيقول : ذلك أن خلافاً نشب بينهما –البابا والامبراطور – حول مسألة التعيينات فحاول الامبراطور أن يخلع البابا ورد البابا بخلع الأمبراطور وحرمه وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له وألبهم عليه فعقد الأمراء مجمعاً قرروا أنه إذا لم يحصل الامبراطور علي المغفرة لدي وصول البابا الي المانيا فانه سيفقد عرشه الي الابد فوجد الامبراطور نفسه كالأجرب بين رعيته ولم يكن في وسعه أن ينتظر وصول البابا فضرب بكبريائه عرض الحائط وأستجمع شجاعته وسافر مجتازاً جبال الألب والشتاء علي أشده يبتغي المثول بين يدي البابا بمرتفعات كانوسا في تسكانيا وظل واقفاً في فناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازه مظهراً كل علامات الندم وأمارات التوبة حتي تمكن من الظفر بالمغفرة والحصول علي رضا البابا العظيم  .
كما يروي التاريخ قصة مماثلة عن ملك أنجلترا هنري الثاني الذي أصدر دستوراً يلغي فيه كثيراً من إمتيازات رجال الدين الذين كانوا يملكون الكثير ولا يدفعون شيئا من الضرائب التي يدفعها الشعب بل يفرضون هم لأنفسهم ضرائب خاصة فحرمته الكنيسة فأصبح غريباً في وسط شعبه لا يطاع له أمر فأعلن ندمه وتوبته وسار الي مقر رئيس الاساقفة في كنتربري يسترضيه ومشي علي الارض الصلبة الثلاثة الأميال الاخيرة من رحلته حافي القدمين حتي نزف الدم منهما وطلب من الرهبان وقد استلقي علي الارض أن يضربوه بالسياط حتي يرضي عنه الغاضبون .
ه/ الطغيان العلمي :
الكنيسة كانت دائماً ضد العلم سواء منه ما تعلق بالعقيدة أو ما تعلق بأمور الكون المادي ففي الحالتين لم تسمح لإتباعها المسيحيين إلا أن يقبلوا تفسيراتها لظاهر الكون ولو كانت تخالف الواقع بل وتتصادم معه .
بدأت القصة أو الزوبعة حين قال العلماء إن الأرض كروية وإنها ليست مركز الكون وقد لمع في هذا الجانب علماء مثل كوبرنيكوس البولندي وجردانوبرونو وجاليليو الايطاليان .
وقامت قائمة الكنيسة فأحرقت من أحرقت وعذبت وهددت بالويل والثبور لكل من لا يتراجع عن هرطقاته تلك التي تقول أن الأرض كروية وأنها ليست مركز الكون والإنسان مركز الوجود .
لماذا فزعت الكنيسة من أقوال العلماء ؟
حفاظاً علي كيانها القائم علي الخرافة ويستند الي انتشار الجهل بين الجماهير وأنها خشيت علي هذا الكيان أن يتصدع وينهار إذا انتشر العلم وتبين للناس أن الذي تقول به الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة في كل شئ . ولامر آخر وهو أن العلم الذي قامت الكنيسة بمحاربته كان آتياً من مصادر إسلامية وكان يحمل معه خطر انتشار الاسلام في اوربا ومن ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدين الذي تمثله وتدعي حمايته .

اعلي الصفحة