بسم الله الرحمن الرحيم

آصرة الأخوة الإسلامية ومعاني الحب في الله (1)

مقدمة:

لقد جمعت آصرة الأخوة في الله أبناء الإسلام في كل العصور ، وعليها اعتمد رسول الله r ، في إقامة دولة الإسلام ، ورفع رايته بعد تأسيس العقيدة والإيمان ، فالمجتمع الإسلامي مجتمع مترابط متحاب بروح الله ، ترفرف عليه بشائر المحبة ، وتضئ ربوعه أنوار الصفاء والإخاء ..

ونرمي من هذه المقالة إضاءة شمعة تبدد بضوئها جزء من الجهل بوسيلة الترابط والمودة بين لبنات المجتمع (الأخوة) لنعيد بها مجد الإسلام وعز الإسلام ، ونهدي بها البشرية الى روح الإيمان الحي ، ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه، حتى أنه ليحيا لهم ويحيا بهم .

تعريف الأخوة :

الأخوة: هي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام، مع كل من تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية وركائز الإيمان والتقوى، فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المسلم أصدق العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو عند المقدرة، واتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والمساس بكرامتهم ولقد حث الإسلام على هذه الأخوة في الله وبين مقتضياتها ومستلزماتها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من بينها قول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات: 10]

 إنما المؤمنون إخوة ) : هي ليست رابطة الدم ولا اللغة ولا الأرض ولا العصبية من أي نوع ، ولا مصالح دنيوية مشتركة ، ولا أي آصرة مما تقيم عليها الجاهليات روابطها في القديم أو الحديث ، إنما يكون لهذه الروابط وزن حين تكون قائمة في ظل العقيدة وتحت هيمنتها ، أما بعيدا عن العقيدة فهي روابط منبتة ومحرمة .. وأما في حدودها وإطارها ، فلا مانع أن تتفرع عنها عناصر المساعدة والتكافل والتراحم والإيثار التي تتجسد في عون الأخ لأخيه وما ينتج – طبيعيا – من علاقة إخوة الإسلام من معاملات ..

يقول الإمام ألبنّا ، رحمه الله ، وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار

حقيقة الأخوة:

فالأخوة هي مضمون التطبيق الإسلامي ، وهي الإسلام يعيش متحركا ومتفاعلا في مجموعة بشرية ، والذي يجمع بينها هو الله عز وجل : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم ، انه عزيز حكيم ) ، وقوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) .

فالله سبحانه وحده هو الذي يربط بين القلوب بشعور عميق متبادل من المحبة والمودة والاحترام والثقة بين المشتركين في رابطة العقيدة والإيمان والتقوى ، فتخرج منهم مجتمعا يملأه التعاون والإيثار والتكافل والرحمة ، مجتمعا يبغض ويحرّم ويجرّم كل ما يمس أبناءه الإخوان في أنفسهم وفي أعراضهم وفي أموالهم .. (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ) متفق عليه .

درجات الأخوة:

والأخوة درجات تتفاوت بمقدار تماسك الإخوان بينهم واعتصامهم بحبل الله .. فكلما ازدادت درجة التآلف والترابط والتحاب بين قلوب مجموعة من إخوة الإسلام  دل ذلك على إيمان وتقوى في تلك القلوب ..

فالأخوة كقوة تأليف ومحبة ترتبط دائما بالقلوب المتحلية بالإيمان ، والمزودة بالتقوى ، يقول الرسول r : ( المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ) احمد والطبراني والحاكم . وأدنى درجات الأخوة هي : ( سلامة الصدر ) : فلا تحمل لأخيك ضغنا ولا حقدا ولا حسدا ، فإذا شاب القلب شئ منها فلا أخوة ولا إيمان ولا دين .. وفي هذا يروى عن الزبير بن العوام قول رسول الله r : (دب بينكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ، وإنما تحلق الدين ) أحمد والترمذي .

وتأتي الدرجة التالية لسلامة الصدر ، وهي محبة أخاك المسلم .. والمحبة المقصودة هي المحبة في الله عز وجل ، الخالية من الغرض والسبب الموقوت ، الايجابية في الخير ، وكون المحبوب مسلما صالحا ، وأن تؤدي تلك المحبة الى العمل على طاعة الله تعالى ن والجهاد في سبيله ، ورفع راية الإسلام ونصرة شريعته ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والتعاون على البر والخير والدعوة والذكر والعلم ، وإقامة العدل ونصرة المظلوم ن وإشاعة كل معاني الخير والفضيلة وتنمية وازدهار المجتمع ..

يقول الرسول r : ( إن الله تعالى يقول : حقت محبتي للذين يتزاورون من اجلي ، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي ) أحمد والحاكم .

وطبيعة المؤمن حرصه على كسب الإخوان في الله واستمرار هذه الأخوة ، فمقياس الخيرية والأفضلية داخل المجتمع المسلم يحده خاتم المرسلين بقوله ك ( ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه ) البخاري وابن حبان والحاكم . وهذه المحبة لا تتأثر بالبر أو بالجفاء ، وبهذا المعنى عبر يحي بن معاذ الرازي رحمه الله بقوله : (حقيقة المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء)

فإن الحب هو من أسمى وأرقى العواطف الإنسانية، فإذا توجهت هذه العاطفة النبيلة لله تعالى، وكانت هي محور العلاقات بين المسلمين، ذللت كثيراً من الصعاب، وأثمرت كثيراً من الثمار الطيبة في حياة الأمة

الحب في الله دوحة غناء أشجارها باسقة ونخيلها وارفه سقياها دماء القلوب ومحياها نبض الأفئدة وثمرتها ظل العرش ونعيمها صفاء القلب والتقابل في الجنات على السرر .

ويصاحب تلك المحبة الخالصة بين أخوة الإسلام الكراهية والبغض الكاملين لأهل الفسق والفجور ( من أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ) أبو داؤد .

مع الله في حب أهل التقى              * **            مع الله في كره من قد فجر

وعدو المحبة في الله ( الغيبة ) ،  يقول الأستاذ المستشار الهضيبي ( ليعلم المسلم انه لا يكون مسلما حقا إلا إذا أصبحت عقيدته جزء لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه ، فيكون عادلا مع الناس جميعا ، ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه ، فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم ولا يلمزهم ، فان أكثر الشرور فإنما تنشأ عن مثل ذلك ).

أما أعلى درجات الأخوة وأسماها وهي التي حققها صحابة النبي r هي الإيثار ، ومعناها أن تؤثر أخاك عن نفسك أي تقدم مصلحته على مصلحتك ، وحاجاته على حاجاتك ، وتكفكف الخصاصة إن كانت بك خصاصة ، وتدعو الله أن يقيك شح نفسك ، ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) .

والأثرة ضد الإيثار وهي تفضيل نفسك على الآخرين ، أو الاستهزاء والسخرية منهم ، أو التفاخر عليهم بالأنساب أو المال .. وتحكيم الهوى بدلا من الرجوع الى الله تعالى والى الرسول r .. فكلها صورة مشوهة للأخوة منقصة لها ، وتعد أحد عوامل القصور فيها ومظهر من مظاهر ضعف الإيمان والتقوى ، ونخر المجتمعات وتهتكها واضمحلالها وتلاشيها ..

بين الإمام ألبنا مراتب الأخوة فقال إن أدنى مراتبها سلامه الصدر وأعلاها الإيثار فا حرص على سلامه صدرك نحو إخوانك وجاهد نفسك لتصل و من معك إلى مرتبه الإيثار والتفريط في هذا الركن أو النكث فيه كالنكث فى ركن الجهاد يؤدى الى أوخم العواقب فلو هبط الأفراد عن أدنى مراتب الأخوة فستبدأ الفرقة و يسود التنازع (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) .

سئل أحد الصالحين : إلي أي مدي تحب أخاك في الله ..؟

قال : إلي المدى الذي يجعلني أعطيه احدي عيني معتذراً له عن الأخرى حتى أراه بها

و كيف لا نتحدث عن الحب فى الله و قد أصبحت اللغة السائدة هي لغة الأرقام و قد خفت رابطة المشاعر و بالذات المشاعر الإيمانية العالية التي تجمع بين القلوب وتوثق رابطتها و انى لأرى أن إحياء دعوة الحب فى الله هي من أولويات عملنا الدعوى، و نظافة القلوب مرادفا لها، و الجهاد بالحب فى الله هو أعظم جهاد يمكن أن يكون له مكان فى ظل المتغيرات المادية من حولنا فهيا بنا نجاهد بالحب و لنرفع جميعنا هذا الشعار و نترقب النتائج . . .

وهذا الذي أراده النبي r حين استقر بالمدينة فأقام مجتمعا فريدا مثاليا ، ناصب الأعداء بالحب و المودة الإخاء ، آخي النبي بين المهاجرين والأنصار رغم أنهم حديثي عهد بالإسلام ، انصهرت أرواحهم في بوتقة واحدة ، حتى كان الأخ يقول لأخيه يا أنا ، وأعطوا أمثلة نادرة في الأخوة ، كانوا يحبون بعضهم بعضا إلي درجة الانصهار ، وكانوا يعطفون علي بعضهم بعضا إلي درجة الإيثار
أخوة الإسلام ما أجملها ...!! أخوة الدين ما أفضلها ...!! أخوة العقيدة ما أحسنها ...!!

ما أجملها من أخوة ، وما أروعها من نفحات إيمانية عذبة ، يستشعرها الأخ تجاه أخيه..فتسري في عروقه سريان الماء الزلال بعد فورة عطش شديد فيثلج صدره ليعود للقلب نقاءه ,,وللنفس صفاؤها..فتطمئن الروح وتعود لتنشر أريج الود والحب من جديد
الحب في الله عملة نادرة في زمن الحرمان ، مع أنها أصل الإيمان ( أوثق عري الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) ، أحمد ، وهو سماد الأخوة ،يصقلها ويغذيها ، يبقي عليها وينقيها ، يعلي من قدرها و يزكيها .. ،
الأخوة هي الألفة الروحية، و المنحة القدسية ، والعاطفة الأبدية ،واللمسة الإلهية التي يقذفها الله تعالي في قلوب الأصفياء من خلقه ، والأتقياء من عباده ، والأولياء من أحبابه ، فيتحابون من وراء المحيطات و البحار ، ويأتلفون من خلف الحواجز و الأستار ،ويتعارفون عبر الليل والنهار (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) ... ‌ جعلنا الله من المتحابين فيه ، انه سميع مجيب .

والى اللقاء في الحلقة الثانية .. بإذن الله تعالى ،،،

أخوكم / علي عبد العليم

30/3/2011م

اعلي الصفحة