تسعة عشرة عاما من الاستقلال المنقوص وبلادنا تستعيد ذكريات الحزن في كل ناحية, فمنذ اليوم الأول للاستقلال رافقه غزو للماضي وللرموز فزج بالدعاة والعلماء واصحاب الرأي والضمير في السجون, في ذلك اليوم اقتلع الشعب من تراثه التليد حيث اغلقت منارات الهدى والعلم وفصل بينه وبين احلامه في العيش الكريم وكتب عليه ان يتردى في ماض (ءات) اسوء من ماضي الاستعمار البغيض.  

 



">

 

كم هو مؤسف ان تستقبل يوم الاستقلال والفرح وزوار الليل من عصابات الشعبية تقتادك إلى المجهول لا لجرم ارتكبته سوى أنك تسعى بالخير للناس وبالحليب للاطفال وبالخبز للجائع. وبفعل تلك الجرائم يقبع الدعاة والمصلحون ووجهاء ارتريا  في اقبية السجون دون محاكمات لفترات قاربت العشرين عاما. تركو اطفالا، رحلو الى مالم يكونو يعرفون وانتصر جيش الشعبية على الطفولة, ولم يكونو بحاجة الى من يقص عليهم التاريخ كي يعرفوا طريق الاقدار المجهولة. حيث ركبو الاقدار  واجبروا على تحمل مسؤليات اسر أبائهم. و حري بنا ان نتسآل لمصلحة من ياترى ان يظل هذا الشعب اسير حثالة سرقت مستقبله وكبلته بكل اغلال الحقد والكراهية وألبسته ثياب الذل والهوان ..من المستفيد بربكم من انسداد الأفق أمام ما يفوق المليون لا جئ عن العودة الى وطنهم؟ بل من المسئول عن اوضاعهم ؟ من يهتم بتعليمهم ، بمأكلهم ، بمشربهم ..من المسئول عن اسرمئات العلماء والأعيان المغيبين ؟ هل تتوقع ان العصابة التي اختطفتهم في جنح الظلام لها النخوة حتى تخبر ذويهم انها من تعتقلهم ... انه من المؤسف ان يقابل هذا الشعب الوفي بكل هذا العقوق المريب.

تأتي هذه الذكرى والشعب يذوق الأمرين اضطهادا وتشريدا وسخرة, فمن اجبرته الظروف ليعيش في وطنه عاش بلا ملامح ولا هوية يقتات العدم بعد أن تعطلت التنمية, الشباب في مشاريع السخرة يعملون بلا أفق ولا أمل،  يضطهدون من قبل جنرالات النازية الجدد . اما السعيد منهم فقد يجتاز الحدود إلى المجهول عبر احدى دول الجوار ليقف في طابور طويل من الحزن والهم لينتهي به المطاف الى لجوء مرير حيث تنصب له خيام هشة وتتغير الاسماء – لاجئين, هاربين, فارين, كوسوفو – ويعرفون انهم سيسكنون الحلم بدلا عن الوطن,  أو ينتهي به المطاف في قاع المحيطات ليسكن في بطن حوت الى يوم البعث الموعود أو ربما علقت اثماله واشلائه في الاسلاك الشائكة بفعل قناصة الحدود. يجري كل ذلك واسياس يتمترس خلف المكان المصادر والذاكرة المصادرة فيحاول مرة أخرى تجريدنا من تسميتنا بالضحايا ( الشباب الهارب في نزهة وسوف يعودون الى وطنهم ) وهو يعلم أن المعاد قسرا إلى ارتريا بفعل المؤامرات لا يحمل فرحة العائدين, ومثله تصريح سفيره الموتور في القاهرة  ( الشباب الهارب ليست له حقوق ) يستكثرون علينا مزابل المنافي,  وكأنهم لا يعلمون أننا بعد الاستقلال ( أنصاف مواطنين ،لاجئين بالكامل ) وأننا في المنافي لا ندري من الذي هاجر، أنحن أم الوطن؟!.

تسعة عشر عاما وقد ازكمت انوف العالمين من طيش الدكتاتور البغيض, فسجله حافل بالاعتداءات المتكررة على كافة دول الجوار بلا استثناء تنفيذا لرغبات الاخرين, ليصنف كأمهر من يقاتل بالوكالة ولو على حساب ارضه وشعبه, يستعير المشكلات او يختلقها. بل تعدى سؤه إلى ما بعد الجوار ( ربما سيبلغ الاربعين منهم ) حيث له في كل نفس ازهقت او اطراف بترت او بطون بقرت في الصومال الشقيق اثم ونصيب وله في صراع اليمن الداخلي حظ اوفر دعما وتدريبا. ومسلسل التفجيرات في الجارة اثيوبيا متواصل يحصد ارواح الأبرياء بدعم سخي من اسياس, وانتهاك سيادة السودان لتنفيذ الاعمال الارهابية التي  يشهد عليه القاصي والداني, كل ذلك من وحي الشيطان طيشا وغرورا . وعرض ارتريا الدولة  معروض في سوق النخاسة يغازلها ويستبيح جزرها وموانئها ومطاراتها كل من يدفع اكثر للزمرة.

عشر تلتها تسع من الاستقلال والمعارضة تتلمس طريقها إلى فكفكة القيد الذي يلف الوطن كله واقعده عن النهوض, ولعل العلامة الفارقة في مجهودات المعارضة اليوم هوملتقي الحوار الوطني الذي يجري الاعداد له على قدم وساق.  وبهذه المناسبة الجليلة نقول إن الوطن يسع الجميع وأن المحاورة يجب أن تفضي إلى ثوابت وطنية لا تغييب فيها لأحد وأن تكون الاجابات واضحة لا يلفها الغموض وأن نؤسس لدولة العدالة والتنمية والحريات, فاسياس عرض زائل وحالة مؤقتة اوجدتها ظروف موضوعية ومؤامرات خارجية ستزول بزوال المؤثر وقد بدء الزوال بتوحيد الجهود وبفعل العقوبات الدولية المفروضة والحصار الذي يفرضه النظام على نفسه.

إن التقديرات للامور تختلف من شخص لاخر ومن تنظيم إلى تنظيم ومن مجموعة إلى أخرى،  بحسب المنطلقات والمبادئ والافكار  مما يستدعي الجلوس إلى بعضنا البعض للتخلص من روح الاستعلاء والاعتداد بالرأي والنظرة الدونية للذي يخالفنا. والاسلاميون عندما ينادون بالحوار فهو موروث ديني وارث تليد عندهم مركوز في القرءان الكريم في العديد من الآيات والسور, ويعلمون ان الله الخالق المبدئ المعيد المحي المميت حاور ابليس عليه لعنة الله, وجادلت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها, وحكى الله حوار الصاحب للصاحب وأمر بمجادلة الكافرين بالحسنى, لذلك هم يمارسون الحوار عبادة ولا يمارسونه مداراة او مداورة.

يقينا بوعد الله مغير الاحوال ومدبر الليل والنهار ومداول الملك بين الناس أن سنجوز هذه المحنة وأن سنعود الى الديار وأن سيصدح بكل قارعة كنار الحرية في وطن النجوم, فياليت شعري هل نصبر على بلاء الوحدة فنسوي الصفوف ونسد الفرجات ونقارب ونتقارب منعا لوسواس الشيطان في تفاصيل الهوى وحظوظ النفس. ونخاطب الشعب بخطاب الأمل وضوحا في الرأي والرؤية, ونرمي النظام عن قوس واحدة قوة في العدد والعدة. أملنا في الله كبير وما ذلك على الله بعزيز والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.