.. عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد ...

يظل هذا البيت للشاعر العربي ، أبي الطيب المتنبئ ، هو الملاذ لمن أراد ان يعبر عن العيد تعبيرا دقيقا عن حالته ، فهو التعبير الأبلغ والادق إن لم يكن الأوحد ، لكل من كانت الاقدار حائلا بينه وبين انسانه وارضه وثقافته ، وفي مقدمتهم الوطن والاحباب جميعا ، والانسان الارتري كغيره من الذين كتب عليهم البعد عن الاحباب والوطن ، يمكن ان يكون بيت المتنبئ احدى زفراته الحرى والاصدق في وصف حالته لذا اخترتها مدخلا لهذا المقال .

العيد فرصة وحيدة لمتابعة التلفزيون الوطني

وبالرغم من ان البعد عن الأوطان والاحباب أصبح امر طبيعيا عند الكثيرين من البشر لأسباب كثيرة، فنحن الارتريين منا من دفعته الخدمة الوطنية التي ليس لها أمد محدد للهجرة ، ومنا من دفعهم القمع والتنكيل بالحديد والنار ، عليه تظل حالة الغربة عند الانسان الارتري هي الحالة الفريدة والأكثر مرارة وإيلاما ، ولمفارقة بسيطة جدا ، حيث يلوذ كل المغتربين في بلاد المهجر الى التخفيف عن آلام الغربة واوجاعها ، خاصة أيام العيد باتكائه على شاشة التلفزيون القومي لأوطانهم ، الذي يعرض ويقدم في العيد افراح الاهل والاحباب بمختلف ثقافاتهم وعاداتهم ، فيجد المغترب فرحة العيد في عيون الاهل والاحباب داخل الوطن في التلفزيون الوطني ، ويستشعر فرحة العيد هناك وترفرف روحه ونفسه في سموات الوطن وتطوف حول المدن والقرى والارياف والمعالم العامة ، وكأنه بين اهله وأحبابه ، إلا أن هذا الامر يختلف عند الانسان الارتري الذي ضاقت به ارض الوطن فهاجر هجرة المضطر فارا بجلده ، لكن يظل الوطن هو الملاذ ، وكغيره من الآخرين ، يحاول ان يبحث عن فرحة العيد في شاشة التلفزيون القومي لبلاده ، لكنه يخرج بخيبة امل كبيرة ، كان الأفضل ان يبحث عن فرحة عيده بعيدا عن هذا الكابوس الذي ظل يطارده ، فبعد ان أضطر الى الهجرة ، يجد ان ثقافته وعاداته هي الأخرى تم اقصاؤها فما عاد العيد في بلاده العيد الذي يعرفه ويحسه في عيون الاهل والاحباب.

تلفزيون النظام :تكريس للثقافة الأحادية حتى أيام العيد

تلك المقدمة الطويلة هي حالة من الإحباط التي أصابتني وربما الكثيرين من أبناء الوطن المفتري عليه من شرذمة من بغاث وبغاة القوم ، فبينما انا اتجول إذا بي ابدا بشاشة الوطن لأحس بطعم العيد في عيون احبابي واهلي وليتني لم افعل ، فلم اجد ما يعبر عن العيد ولا عن الشعوب والقوميات وقطاع عريض من اهل الثقافةالإسلامية في يوم عيدها ، اختزال العيد في كتابة عنوان البرنامج ولكن المحتوى الحقيقي للبرامج هو شعار كبير لهوية غائبة تم طمسها وعادات وتقاليد أبعدت وتم اقصاؤها على ذات النسق الذي ابعد بها أصحابها ، وهي لعمري ضيق أفق و تطرف واضح ومنهجية صريحة من الطاغية وزمرته ، في طمس الهوية واقصاء وابعاد للثقافة الاخرى التي تعتبر أكبر مكون للشعب الإرتري ، ورغم كل ذلك تجد من يقول لك ما هو إلا نظام دكتاتوري تسلط على رقاب الشعب الارتري دون تمييز او تفريق ، لكن ممكن ان نقول ان ضرره طال الجميع مع التأكيد بان له اهداف واستهداف واضح لفئة بعينهاوبصورة مختلفة وصارخة .

من خلال المتابعة والمشاهدة على الشاشة البلورية للتلفزيون الارتري ، في أيام عيد الفطر المبارك تأكد لي بما لا يدع مجال للشك بأن النظام استمرأ الظلم وتجلة أهدافه بصورة واضحة ليست فيها شوائب .

وكما هو معروف أن الشعب الإرتري ، شعب متعدد الأعراق والقوميات به أكثر من 9 قوميات رئيسية ، وتبعا لذلك تتعدد الثقافات واللغات والعادات والتقاليد التي تذخر بالقيم الاصيلة ، وهو ما يظهر من خلال آدابها وفنونها كالشعر والغناء والرقص، تعكس تعدده وتنوعه ، وبالرغم ما تعرضت له هذه الموروثات في فترات الاستعمار لبعض التشويهات بنظرية المستعمر المعروفة"فرق تسد " ، إلا ان ما تعرضت له هذه القيم والمورثات الارترية من تشويه وتذويب في عهد النظام الحالي هي الأكبر و الامر والأخطر اثرا على وحدة الشعب الارتري ، بفعل التشويه والإهمال والاقصاء المتعمد بل والممنهج وهو ما عكسته شاشة التلفزيون خلال عيد الفطر المبارك بالرغم من ان أية لغة ارترية ليست اقل شأنا فيما تحمله من الآداب والفنون من تلك التي يراد لها أن تسود بإقصاء الآخر ومحاربته بلا هوادة.

لكن يظل الامل معقودا على وعي الشعب الارتري ، الذي حافظ على وحدته ، وظلت ثقافاته وعاداته شامخة واستعصت على كل أسباب المحو والازالة والتذويب من قبل المستعمر ، سيحافظ كذلك بذات القوى على المحاولات اليائسة والبئيسة من قبل نظام افورقي والعصابة التي من حوله ، والتي تهدف بلا شك إلى تغيير الخارطة الديمغرافية ، وهو ما يعبر عنه اعلامهم وما استفزني لأن اكتب هذه المقالة التي تتقطر الما في أيام العيد والفرح الذي كان ينبغي أن تكون الكتابة فيه بطعم الافراح والاعياد .....

ولم يكن الامر مستغربا ، من نظام تصدر قائمة انتهاك حقوق الانسان وتربع على رأس قائمة من أسوء السجلات على مستوى العالم ، وهو ما أكدته تقارير منظمات حقوقية أممية وقارية عديدة إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان ترتكبها السلطات الارترية ومن ضمن هذه الحقوق الاساسية حرية التعبد .

جهود النظام في إخفاء أهدافه تكشفها نظرية نفي النفي اثبات

بذات النظرية التي تقول ان نفي النفي اثبات ، فان الجبهة الشعبية الحاكمة في ارتريا والتي اختزلت في مجموعة مغتصبة ، ظلت منذ بداية تأسيسها و حتى اليوم بعد27عاما من الاستقلال ، تصرح مرارا و تؤكد من خلال مختلف منابرها الاعلامية مع قلتها أنها تحترم حرية التعبد و التدين ، ولعل آخرها تصريح لوزير الاعلام ، يمانى قبرمسقل ، قبل شهرين ، أكد فيه أن الحكومة حريصة على احترام الدين و حرية التعبد و بناء المعابد و الكنائس و المساجد ، و ربما كان ردا على تقرير للأمم المتحدة انتقدت فيه اعتقال الحكومة الارترية لمئات الاشخاص منهم قصر لمشاركتهم في تشييع الشيخ الشهيد موسى محمد نور ، الذي توفى في المعتقل الذي دخله في أكتوبر الماضي ، مدافعا عن عقيدته وقيمه الإسلامية .

لكن تظل تصريحات النظام بوجود حرية تعبد واحترام للأديان والحفاظ على الهوية ، ماهي إلا عملية نفي لما هو مثبت بالتقارير والشواهد ، في أن هذه القضايا من اكثر المبادئ التي انتهكتها السلطات في أسمرا ، وان أغلب المعتقلين القابعين في السجون هم ممن تم اعتقالهم على الهوية بسبب الزى أو المظهر الديني أو بتهمة الانتماء إلى تنظيم سياسي ، فضلا عن ممارسات الحكومة المكشوفة في تضييق فرص التعليم الديني ، واللغة العربية التي تمثل رمزية ولغة رسمية لأرتريا بجانب اللغة التجرينية ، من خلال إغلاق الخلاوي و المعاهد الدينية والمدارس العربية ، والزج بمعلميها في المعتقلات المجهولة منذ مطلع العام 1994 ، آخرها العملية التي طالت معلمي وطلاب مدرسة الضياء الإسلامية في أكتوبر الماضي ، وما يؤكد بانها خطة ومنهجية من النظام أن كل ذلك كان يتم من خلال دار الافتاء الارترية ، كما ان الحكومة منذ بدايتها لم تسمح ببث أي برامج دينية عبر الاذاعة أو التلفزيون بحجة الحفاظ على الحيادية وعدم إقحام الدين باستثناء الاعياد التي يعرضها التلفزيون الرسمي ، لكن هي الأخرى طالتها عملية الاقصاء وأصبحت مبتذلة ولا تحمل تعبير حقيقي ، بل ذهبت لأبعد من ذلك في أن جعلت منها فرصة للتغيير بصورة مشوهة وغير لائقة ، من خلال بث ونشر عادات وتقاليد لا علاقة لها بالمناسبات الدينية من خلال التلفزيون و الإذاعة .

منهج النظام في الاقصاء كان واضحا لكننا قوم لا ندرك إلا مؤخرا

أذكر عندما كان يتعلل العاملون في الأقسام العربية بكل من التلفزيون والإذاعة والجريدة اليتيمة ، مطلع التسعينيات بانهم يواجهون تضيق وتهميش من قبل وزارة الاعلام ، كان الناس تعتبرها نوع من الهروب من إعطاء دور فاعل ، بل كنا نعد ذلك قصورا في إمكانياتهم ، لكنها الحقيقة التي ظللنا نبتعد عن مواجهتها في أن النظام له منهجية ورؤية واضحة في ابعاد العربية والإسلامية عن دائرة الضوء والتأثير في المحيط الارتري الذي يريده النظام خالصا من أي شوائب تحمل الجينات الإسلامية والعربية ، فكان يتعمد عدم تأهيلهم وتدريبهم بل سعت إدارة الاعلام الى تجفيف هذا النبع ، فعمدت الى الايقاف والاعتقالات بمبررات لا صلة لها بالإعلام الوطني ، كإيقاف مذيعات في التلفزيون بسبب إصرارهن في تقديم النشرات وهن يرتدين "الحجاب" ، بل ذهب النظام الى الاغتيالات المدروسة والدقيقة والمكشوفة للكوادر الطليعة في اللغة العربية ولم يشفع لها انها كانت في ساحات النضال ،لأمر بسيط ان دورهم قد انتهي حيث كانوا من اقوى المؤثرات في التحاق أبناء المسلمين والناطقين بالعربية بصفوف الثورة وقتها .

خلاصة الامر لم يتبقى لنا سوى ان نقول ، اننا امام مفترق طرق ، يحتاج الى شيء من الحصافة في اسراع الخطى نحو التغيير الحتمي ، لعصابة أفسدت الحرث والنسل ، وعكست القناة الارترية كل ما يحمله هذه النظام من رؤية اقصائية وتكريس لثقافة أحادية ، و انفردت بساحة الاعلام الارتري بعد ان اغلق النظام الفضاء على أي اعلام مستقل ، وبالرغم من ضحالتها وعدم موضوعيتها في كثير من مما تطرحه وتقدمه ، إلا انها تمثل اقوى وأوضح الأدوات في ما تحمله جعبة النظام من اهداف هدامة للنسيج الاجتماعي في البلاد ، وليكن هذا المقال نداء للشعب الارتري إلى مقاطعة الإعلام ولا سيما القناة ، وعدم دفع الضرائب ،خاصة ضريبة 2% الخاصة بالمغتربين ، حتى لا نكون بمن صدق عليهم القول في ان النظام الديكتاتوري يحاربنا ويقضي علينا بأموالنا ، فقاطعوا نظام أسياس افورقي ووسائله ، وذلك أضعف الايمان وكل عام والجميع في وطن يسع الجميع ليس في ارضه التي تمتد عطاءا وقمحا ، ولكن يسع الجميع في ممارسة حقوقه التي كفلتها له القوانين السماوية والارضية .

اعلي الصفحة