لم يكن في وسع النظام الارتري إلا ان يطلق تصريحاته بالطريقة التي يعرفها وفي التوقيت الذي يناسبه ، وبطبيعة الحال عندما تفقد أي دولة وجودها الطبيعي ليس على مستوى الحكم الداخلي فحسب ، وانما على مستوى علاقاتها الخارجية فتصبح معزولة كما هو الحال الذي يعيشه النظام الارتري منذ عقدين ونصف، فان اطلاق التصريحات والتهم المفضوحة يكون هما السلاح الوحيد المتبقي لمثل هكذا نظام فقد شرعيته واصبح معزولا .

ففي تصريح مقتضب لنظام أسمرا الثلاثاء الماضي الموافق 15 من مايو الجاري ، اتهم النظام الارتري جارتيه السودان وإثيوبيا بالتخطيط لدعم المعارضة الإرترية ، بتمويل من قطر لدعم المعارضة الارترية ، وأشار التصريح الى أن الدول الثلاث كلفت كل من اللواء حمدي مصطفى من الجانب السوداني والقنصل برهاني من السفارة الإثيوبية بالخرطوم لتنفيذ هذه المهمة .

وتصريح كهذا بلا شك يدفع المحللين والمراقبين ان يأخذوا كل قطرة تصريح او أي نبض لدولة متوقفة عن دورها الداخلي والخارجي ، بعين الاهتمام خاصة في ظل التعتيم الذي تضربه الحكومة الارترية على نفسها والوضع الارتري برمته .

ولم يكن تصريح الحكومة الإرترية الأخير باتهاماتها المعهودة والبعيدة عن الواقع والصحة امر جديد ، لكنه يحتاج الى وقفة وشيء من التحليل حول مدى مصداقية الاتهامات التي استهدف بها دولتي جوار وأخرى صديقة قديمة ، كما ان توقيت التصريح المعبأ بالاتهامات هو الآخر امر في غاية الأهمية ، ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الشارع الارتري والاثيوبي عودة العلاقات بين الجارتين الشقيقتين ولو بصورة متدرجة لتتويج الجهود المحلية والإقليمية والدولية المعلن منها والمستتر ، يطلق النظام الارتري رصاصة الرحمة على هذه الامنيات ليقتلها في مهدها بفعل هذا التصريح أو هكذا يريد لتصريحه بجانب أسباب أخرى مكسبيه تدر على خزينته من خلال اللعب على الاستقطابات التي تشهدها المنطقة اثر كل ازمة إقليمية ودولية مستغلا موقع البلاد الاستراتيجي .

وإن إدراج العواصم الثلاث ( الدوحة وأديس أبابا والخرطوم ) في تهمة واحدة بالتصريح ، هو امر تربطه عوامل عدة وخيط رفيع ودقيق ، ربما لا يدرك مغزاه الا الجهة التي أطلقته ، لكن في ذات الوقت مفهوم عند الكثيرين الذين يعرفون مأزق النظام وورطته ويعرفون العقلية التي تقوده وتسيطر على سير الأمور هناك ،فرجل النظام يعمل وفق المقولة الفرعونية " لا اريكم إلا ما أرى " ، فهو يعادي الخرطوم لأنها قررت أخيرا أن تقطع الطريق امامه ، أن لم يكن تعاطفا مع الشعب الارتري فمن اجل حماية نفسها من شر هذا الشر ، وأمامهم ما فعله في اليمن عندما صنع من موانئه جسرا لعبور كل الأسلحة التي أطالت امد الحوثيين في صنعاء ، وهو كما المينشار يأكل ذهابا وإيابا ، فبعد ان مهد الطريق لأذرع ايران في اليمن ، مد يد العون للتحالف العربي بقيادة السعودية وربيبتها الامارات ، وهو ربما الامر الذي ادخل الدوحة في سيناريو اتهامات وادعاءات النظام الارتري ، فجريمة الدوحة هي أنها ابتعدت عنه بفعل الازمة الخليجية الأخيرة ، وفتحت عليه ملف الازمة مع جيبوتي ، واقتربت اكثر من الخرطوم التي أغلقت حدودها هي الأخرى مع اسمرا ، وحرمان الأخيرة من نبضها الاقتصادي وشل حركة التهريب التي كانت تتجاهلها الخرطوم حتى لا تموت اسمرا ، فبعد أن ساهمت قطر في اتفاقية شرق السودان ، وجعلت من اسمرا موضعا لصنع السلام ، ها هي قطر تبتعد عنه .

وواضح جدا من أن اقحام الدوحة يأتي في أطار النكاية بها ، والاهم من ذلك يستعطف ويستدر ود الامارات والسعودية ليعيد لخزينته روحها من سخائهما ، مستفيدا من الازمة الخليجية التي أطلت على منطقة القرن الافريقي وأوجدت حالة من الاستقطاب في المنطقة لهذا يريد أسياس افورقي أن يستثمر في هذا الاتجاه بإقحام الدوحة في اتهاماته لكل من السودان واثيوبيا .

كما ان عداء اسمرا مع أديس ابابا هو ما لا يحتاج لشرح ، لكن هذه المرة يأتي ربما لقطع الطريق على المبادرة التي تقدم بها رئيس الوزراء الاثيوبي الجديد " أبي أحمد " ، فقد أعلن في أول تصريح له بعد توليه المنصب رغبته في السلام مع الجارة الشمالية " إرتريا " ، لكن هذه الأفكار والمبادرات لا تعجب سياس افورقي ، لأنه يريد ان يكون صاحب المبادرة ان راقت له .

وفي هذا الاطار يأتي إقحام اثيوبيا في الاتهام ، فالرجل أستمرأ قتل كل امل في سلام وحسن جوار ، فلم يبق له دولة صديقة ولا جارة حميمة ، لهذا يريد ان يقطع الطريق امام محاولة "أبي أحمد ".إذن مصداقية التصريح تنتهي في ان الأهداف التي أطلق من اجله التصريح واضحة وصريحة ، وهو تجريم من يناصبهم العداء ، من الدوحة والخرطوم وأديس ابابا ، عطفا على الأسباب سالفة الذكر .

أما من حيث توقيت التصريح يأتي في ظل جهود إعادة السلام بين الجارتين ، وهي لم تكن رغبة دولة فحسب وانما هي رغبة إقليمية ودولية ، وهو يريد ان يرفع سقف مطالبه ويستفيد من التحرك الدولي والإقليمي ، وما زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي "يما موتو " مؤخرا لكل من اسمرا واديس ابابا وجيبوتي ببعيدة عن الرغبة الإقليمية والدولية في انهاء هذه القطيعة ، وبحسب ما رشح من نتائجها فان الرجل طلب أن يرفع عنه الحظر ، وربما التصريح الذي خرجت به وزارة اعلامه من اتهامات خاصة لأديس ابابا يأتي في أطار الرد على الحكومة الاثيوبية التي طلبت عدم رفع الحظر عن النظام الارتري لعدم وجود أي تغير في سلوكه بحسب التعبير الاثيوبي ، لذا تأتي اتهامات لأديس ابابا ويريد بطريقة أخرى ان يقول انهم أيضا يدربون المعارضة الارترية بذات التهمة التي يواجه بها من إيواء المعارضات ، فهو أيضا رد على اثيوبيا .

فضلا عن الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس وزراء اثيوبيا الى السودان كثاني محطة خارجية له بعد جيبوتي ، زادة من حفيظة "أسياس افورقي " ، وحس الرجل ان الخناق يضيق عليه ، ودفعه الامر الى اقحام اديس ابابا في دائرة الحبكة والاتهامات مع الخرطوم والدوحة ويزيد بالتالي من حجم الحبكة في ان البلاد تواجه مؤامرات خارجية كبيرة .

كما ان التصريح يتزامن أيضا مع تصريحات سكرتير الحزب الحاكم في إريتريا ، الأمين محمد سعيد ، يتحدث فيها عن ما يوفره النظام الحاكم في بلاده من أمن واستقرار، قائلا ان إرتريا هي الدولة الأولى التي تحفظ ويتحقق فيها احترام حقوق الإنسان في العالم ، وكانه يريد ان يقول للجهود الدولية والإقليمية التي توصلت الى ان الازمة في ارتريا هي ازمة نظام كامل ، يريد عراب النظام ان يقول اننا نظام حقيقي وقادر على تسيير الأمور ولا يعاني من عزلة ، وهم يعرفون ان عزلتهم بدأت بانعدام حرية التعبير وحقوق الانسان ، وهو ما يؤكد على انهم في مأزق داخلي وخارجي ولديهم ترتيبات خاصة ، في ظل معلومات ترشح من وقت لآخر حول صحة الرئيس اسياس افورقي ، وربما اقترب موعد ترتيب الخلافة لابنه كما هو متوقع ومرتب له منذ فترة ليست بالقصيرة

والغريب في الامر أن ما يتهم به النظام الارتري كل من الدوحة وأديس ابابا والقاهرة ، في تدريب وتجهيز المعارضة الارترية ، يقوم به نظام افورقي بصورة واضحة وقوية ومعروفة عند الجميع ، فهو الداعم والحاضن لجماعات المعارضة الاثيوبية والسودانية ، كما ان دعمه للشباب في الصومال وما قدمه للحوثين في اليمن، تؤكد بان الرجل يرمي الداء الذي يعانيه على الاخرين ويتهم الاخرين بما يقوم به من جرائم وتجاوزات معروفة وموثوقة في القانونالدولي .

لكن في ذات الوقت تشير الدوافع من التصريح في هذا التوقيت الى امر هام ، وهو أن النظام يريد ان يلفت الراي العام الداخلي والخارجي بقضايا انصرافيه بعيدة عن ما يخطط له ويعيشه الوضع الداخلي من تدني في الحياة المعيشية ، بجانب أهدافه المعروفة في التكسب من مثل هذه التصريحات والاتهامات ، وظل يكرر مثل هذه الفذلكات والسيناريوهات بإطلاق بالونات كاذبة في الهواء ، ليدبر ويخطط لإطالة بقائه في سدة الحكم .

ويبقى الامر المهم من تداعيات ودوافع هذه الاتهامات ، ان تستدعي الدول المتهمة ذاكرتها ، وتعيد حساباتها ليس في التعامل مع النظام فهذا اصبح امرا محسوما ربما اغلقه بنفسه وسياساته الخرقاء ، ولكن لماذا لا تتحرك هذه الدول خاصة قطر التي يقحمها دون ان يكون لها وجود على حدوده ، وليتها كانت الداعمة للمعارضة الارترية حتى تمحو شيئا مما لحق بالشعب الارتري من جراء مساندتها ودعمها لنظام افورقي الذي جازاها أخيرا على حد قول الشاعر :

ومن يجعل المعروف في غيره اهله ... يكن حمده ذما عليه ويندم .

ولعل رسالة النظام الارتري واتهاماته هي الأخرى تعد فرصة ذهبية للمعارضة الارترية في أن تستغل هذا الوضع المتهالك وتقنع الدول التي يعاديها افورقي ونظامه ، بان هذا النظام ليس وبالا على الشعب الارتري فحسب وانما على المنطقة بأكملها إذا ما استمر على هذه الوتيرة ، كما ان الدول التي يرميها نظام افورقي بالتهم جزافا يجب ان ترد الصاع باقل من صاع لأنه على حافة انهيار وسقوط ، بعد ان عزل الدولة سياسيا جعلها الآن بلا اقتصاد ولا حياة.

اعلي الصفحة