تجري الأحداث الجسام اليوم في عالمنا العربي والإسلامي لتحدد مواقف الناس أفرادا وجماعات وتختبر قناعاتهم بمبادئهم التي ظلوا ينادون بتحقيقها ويتمترسون خلفها لمجابهة من يخالفهم الرأي والفكرة ، كما تمتحن مدى صلابتهم في الدفاع عن تلك القناعات والمبادئ ، ينسحب ذلك على الجماعات والهيئات والمنظمات السياسية التي تعلن عن نفسها في برامجها ومواثيقها وبالتالي في وسائطها الإعلامية من مواقع ونشرات .

وثورات الربيع العربي التي انتظمت معظم البلدان العربية فغيرت واقع الكثير وكادت أن تغير البعض الآخر كان لها امتداداتها الجغرافية والسياسية فشملت مناطق عدة من المحيط العربي وتأثر بها الكثير من أبناء تلك البلدان التي تنشد التغيير في بلدانها وتفاعلوا بالإيجاب رجاء أن يهب عليهم بعض من نسيمها .

وارتريا إحدى أهم تلك البلدان التي يتوق أبناؤها للتغيير لما يعانونه من ظلم واستبداد يفوق بكثير ما كانت تعانية بلدان الربيع العربي التي تغيرت فيها الأنظمة والحكام واستبشرت كثيرا بتلك الثورات وبدأ ناشطوها يمنون أنفسهم يوما ما بثورة عارمة تقتلع جذور الظلم والكبت والفساد في ارتريا.

ومن ضمن تلك المواقع التي كانت تنقل تلك التفاعلات الارترية (الغرفة العربية للحوار الوطني الارتري بالبالتوك) حيث يقصدها الكثير من أبناء الشعب الارتري بكل توجهاتهم وأطيافهم الفكرية والسياسية ويتفيأون فيها ظلال الحرية والديمقراطية والحوار ، ويبسطون فيها القول عن التعايش السلمي بين كل التباينات التي تشهدها الساحة الارترية الفكرية والسياسية ويبشر الجميع بأن ارتريا الغد تختلف عن ارتريا اليوم وعن ارتريا الماضي التي كان شعار الاتجاهات فيها (الساحة لا تحتمل تنظيمين) وستكون ارتريا الغد واحة للتداول السلمي للسلطة ونموذجا لقبول الرأي والرأي الآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه وغيرها من المصطلحات السياسية الحديثة من ديمقراطية وتعددية وعدالة اجتماعية ، وان بعض من يبشر بذلك الواقع هم ذوو التوجهات غير الإسلامية ويبالغون في الحفاوة بتلك المصطلحات والتبشير بها بمناسبة وبدونها ، وكنت كغيري نحمد لهم ذلك ونشد على أيدي كل من ينادي بذلك ، بيد انه عندما ظهرت الثورات المضادة في كل من مصر وتونس وليبيا ضد الحكام والأحزاب ذات التوجه الإسلامي التي وصلت إلى الحكم في تلك البلدان عبر الانتخابات الحرة المباشرة والمراقبة من الهيئات والمنظمات الدولية والمحلية ، وساند تلك الثورات المضادة بل أسسها محور دولي معروف ، فطن إلى أن الثورات التي انتظمت تلك البلدان إنما أينعت أنظمة إسلامية سياسية معتدلة وسجلت نجاحا وحضورا شهد له القريب والبعيد وربما – إن استمرت – في الحكم سنين قادمة غيرت اتجاهات الشعوب وشحذت هممها للتخلص من ربقة التبعية التي عاشت فيها سنين طويلة بفعل حكامها الزائلين ، قام المحور المذكور بدعم إتباعه في المنطقة دعما ماديا وإعلاميا كبيرا فتم الانقلاب على الديمقراطية في مصر وتنادى أتباع المحور في الدول الأخرى إلى انقلاب مماثل . وخرج أنصار الشرعية الدستورية والديمقراطية إلى الاحتجاج والتظاهر السلميين الذيين يكفلهما الدستور والقيم الديمقراطية التي طالما تشدق- سابقاً- بها أنصار المحور الانقلابي

وكما امتدت نسمات الربيع العربي إلى الغرفة العربية للحوار الوطني الارتري امتدت إليها أيضا أدخنة حرائق المشروع الانقلابي ، وخرج إلينا ذات ليلة من ليالي أغسطس الجاري وفي الرابع عشر منه ، من ينادي بحسم المعتصمين في رابعة العدوية والنهضة بقوة السلاح وان أدى ذلك إلى قتلهم جميعا وبرر جنوحه هذا بأن الإخوان أرادوها دولة اخوانية وأقصوا الأحزاب والمنظمات المصرية الأخرى وانه يؤيد مقابل ذلك أن يتم فض اعتصامهم بالقتل والتنكيل.

بداية لم اصدق ما سمعت من عضو نشط بالغرفة ظل يردد على الناس انه نصير الشعوب الحرة وان إرادة الشعب الارتري هي التي ستكون الفيصل في حكم ارتريا ، فأبديت صدمتي من هذا الاتجاه وذكرت العضو المحترم بالمبادئ والقناعات التي ظل يرددها على مسامع الناس هاهنا وإنني على شك من احترامه لقناعاته في ارتريا التي تحمل نفس الملامح المصرية من تباينات اثنيه وفكرية فسألته عن موقفه عن ذلك ؟ فقال انه ينظر للأمر حسب مصلحة الوطن لا حسب ما ينتجه الصندوق من خيارات إن كانت تلك الخيارات لا تتفق مع ما يعتقده من أفكار فاحتدم النقاش بيننا وظللنا في نفر من أعضاء الغرفة نراجعه ونجادله بالحجج هو والذين أيدوه في أفكاره وتوجهاته التي أبداها وهي بلا شك صادمة ومؤشر نحو ما ينتظر ارتريا من توجهات سلبية كتلك التي تحدث في دول الربيع العربي عامة وفي مصر بالتحديد، وكان نقاشنا معه ومع من وقف معه من المشاركين في الغرفة يستند إلى أن الخيار الذي توافقت عليه المنظمات الارترية الموجودة هو خيار القبول بالطرف الآخر والاحتكام إلى الشعب الارتري فيما يرتضيه من خيارات ، وبالرغم من احتدام الموقف في الغرفة التي التزمت إدارتها الصمت إزاء النقاش اتفق الجميع على احترام مبدأ التعددية والاعتراف بالآخر والاحتكام إلى الصندوق الانتخابي وكانت نهاية مفيدة بالنظر إلى بداية النقاش في الغرفة العربية للحوار الوطني الارتري في البالتوك .

 

 

اعلي الصفحة